تَأمُّلاتٌ في مستقبِل الانتفاضةِ الثَّالثةِ

عبد العزيز حسين الصاوي - 02-05-2020

عبد العزيز حسين الصاوي

المصطلحُ السائد لوصف الحراك الشعبي الديسمبري بــــِــــــــــــ"ثَوْرَةٍ" ضروريٌ تعبوياً ، ولكنه مُعَرَّضٌ للتحفظ وفق التعريف المُجْمَعِ عليه لهذا المصطلح وهو " التغيير الجذري "،والذي يحيل إلى الحصيله النهائية أكثر من الطريق إليها. لهذا السبب، ولأنَّ هذه المساهمة تنطلق من مقارنة بين تجربتي أكتوبر64 و أبريل 85 المشابهتين في جوانب أساسية،فأنها ستستخدم مصطلح "الانتفاضه"، بدايةً بالسؤال التالي :هل يُقَدَّرُ لمسيرة انتفاضة ديسمبر أن تخالف القاعدة التي أرستها التجربتان السابقتان لأنهما شكلتا "في واقع الأمر" جسرَ انتقالٍ من شمولية إلى أخري أكثر توفراً علي خصائصها؟ ليُسْمِنَ مَعْناً آخرَ لتكرار التجربة في 85 سوي أن الفكر السياسي السوداني فشل في استخلاص الدرس الصحيح من تجربة أُكتوبر 64 ، ومن هنا يَتَولَّدُ السؤال : هل توفَّر هذا الشرط "الآنَ" بما يمنع تكراراً ثالثاً للتجربه؟. إذا نظرنا إلى حال حركة المعارضة عشيةَ انفجار الوضع في وجه النظام،فأنَّ إجابة هذه المساهمة تميل إلى النَّفي.بالرغم من الإيجابية المزدوجة الظاهرة لانتفاضة ديسمبر بالمقارنة لسابقتيها والمتمثلة في دور القطاع الشبابي/تي ( الشاباباتي من الآن فصاعداً ) و"تجمع المهنيين"، فأنَّ تقييماً لها في الجزء الثاني من المساهمة يقدم اقتراحاتٍ مُعيَّنة لرفع مستوي إيجابيتها بما يمكن أن يعّدل الإجابة.

ظروف ولادة مُكوِّني المعارضة السياسية الرَّئِيْسَيْنِ "قوي الاجماع الوطني" و"نداء السودان" هو الدالة الكبري علي الضعف النوعي لحركة المعارضة ضد نظام الإنقاذ وماقَبْلَهُ، لأنَّه كان نتيجةَ اِنشقاقٍ ظَلَّ الطرفان يتراشاقان بَعْدَهُ اتهاماتٍ متمحورةً حول تهمة الهبوط الناعم لم تتوقفْ إلا بعد بداية الانتفاضة.وفي الظهور التدريجي للخلاف "رغم تعاظم الحاجة لوحدة قوي الانتفاضةِ تأميناً لمستقبلها في وجه قوي الانتفاضة المضاده" تأكيدٌ لاتخطئه العين لذلك، علماً بأن الوحدات الحزبية التي يتشكل منها كل طرف منقسمة بدورها داخلياً مما يعني أنَّها واقعة ضمن ظاهرة التَّفتتِ المَرَضِيِّ التي تشهدها الساحة السياسية منذ فتره، وليست انقسامات تطويرية . وهو ماينطبق أيضاً علي أطراف العمل السياسي المسلَّح التي يبدو أنها، "إلى جانب ذلك" استقرت علي وجهة ابتعاد عن ماتسميه معارضة الوسط النِّيْلِيِّ،مما يشير إلى مدي عمقِ تلك الظاهرةِ واتِّسَاعِها. وبطبيعة الحال فإنَّ هذه الهشاشه في مَتْنِ كُتَلِ المعارضةِ، أثَّرت علي تماسك كتلة " قوي إعلانِ الحرية والتغيير "، كما يبدو من التعثر المتزايد لأدائها بينما يشير الاعتراف العلني لأحد مكوناتها علي لسان القيادي في الحزب الاتحادي الديموقراطي محمد عصمت في مؤتمر صحفي، إلى أحد أهم نماذج التفتت وهو انقسام الحزب إلى سِتَّةِ (6) فصائل فضلاً عن أنَّ عضوية الكتلة نفسها تتجاوز المائة (100) من المنظمات السياسية وغير السياسيه .

في تقدير هذه المساهمة، إنَّ مصدر تصدعات المعارضه ضد الأنظمة الشمولية الثلاثة علي هذا النحو لاعلاقة "رئيسة" له بمستوي الأداء المعارض للقيادات الذي يستجر رد فعل رائج يشطب عليها جميعاً بجرة قلم بما يشوش علي مصدرها الحقيقي، وإنما هو ناتج خلل بنيوي في تكوينها مرده أنَّ استراتيجية المعارضة لم تستهدف حقيقة اِستعادة الديموقراطية بقدر ما استهدفت إسقاط الدكتاتوريات الثلاثة ، مما يؤول إلى عدم استهداف أسباب قيام الأنظمة الانقلابية المتجذر في أزمة الديموقراطية في السياق السوداني. يعني ذلك أنَّ الاختلافات في صفوف المعارضه، وبين عموم المعارضين (حزبيين وغير حزبيين)، تدور حول المحور الخطأ، في الملعب الخطأ، لذلك فهو خلاف عقيم لايساعد علي تطوير فعالية المعارضه ويظل قائماً يراوح في مكانه بلا نهايه.
الخلل البنيوي يعود إلى أسباب موضوعية ليست مِن صُنع قيادات المعارضه بحيث تنحصر مسؤولياتها في عدم إدراك كنهه ومن ثم صياغة استراتجيتها بما يُنقذ جهدها المسنود بتضحيات كبيرة علي مستوي القواعد والقيادات من التشبيه بصخرة سيزيف في الأسطورة اليونانيه التي تعود للانحدار كلَّما قطعت شوطاً إلى أعلي الجبل، أو بِــــــــ" ساقية جحا" التي نعرفها. ضعف قوي الدفع الديموقراطي سودانياً موروث من التطور التاريخي للحركة السياسية السودانيه."هذه خلاصة تدلنا عليها مناقشة هذه المسألة انطلاقاً من المقولة الصحيحة بأن الديموقراطية "المستدامة" كنظام سياسي يقوم علي الحرية التي تنظِّم نفسها بوسائل من طبيعتها ( الانتخابات الحُرَّة، فصل السلطات … إلخ )، هي في الأساس مسألة ثقافه متغلغلة في مجتمعٍ تضعف فيه سطوة الانتماءات الأولية علي اختيارات الأفراد. يُضحي للفرد استقلال نسبي عن جماعة الميلاد مما يحرر صوته الانتخابي، وكافة خياراته في الحياة العامة والخاصة، من إملاءاتها المباشرة وغير المباشرة. المعروف أنَّ هذا الشرط الجوهري تحقَّقَ أُوروبياً من خلال حراك " عصر التنوير" وتمخضت عنه القوي الاجتماعية والأفكار والفلسفات الضرورية لذلك . في السودان حيث لا تُوجدُ طبقة وسطي ولاإصلاح ديني ولا تراث فلسفي- فكري تنويري، كانَ استهداف تأسيس المشروع الديموقراطي كتوجه لابديل له ، ضرورياً لتحقيقه بما يتطلبه ذلك من اكتساب المعرفة بكيفية شق طريق سوداني نحو التنوير نظراً لعدم توفر مقومات الشرط الجوهري اللازم لذلك عبر الطريق الأوروبي . علي أنَّ الاستهداف بهذا المعني كان غائباً لدي حركة الاستقلال الوطني سواء في مرحلتها التمهيدية خلال العشرينات والثلاثينيات، أو الحزبية الاستقلالية ( مع بريطانيا ) والاتحادية ( مع مصر)، بينما ساهمت الاختيارات الأيديولوجية لنوايات اليسار واليمين الناشئ "وقتها" في تأكيد هذا الغياب. وفق تصوراتٍ لصاحب هذا المقال تحت مصطلح " الديموستناره، (الديموقراطية-الاستناره) " سبق نشر تفاصيلها ، نستطيع تلخيص السياق العام لصعوبات إنجاز المشروع الديموقراطي في السودان علي الوجه الآتي : احتياجات تسيير آلة الهيمنة السياسية والنهب الاقتصادي (الاستعمارية البريطانية)، لاسيما النظام التعليمي الحديث،والتي أنتجت فئات اجتماعية بورجوازية صغيرة سودانية تتوفر علي المؤهلات الأَولية اللازمة لطرح بناء الديموقراطية كهدف، ولكنها كانت محدودةً كَمّاً وكيفاً بحكم محدودية الدافع الاستعماري وطبيعته الاستغلالية، والثقل الباهظ لواقع التخلف التاريخي للبيئة السودانيه. فهي قوي حديثة بمعني انبثاقها عن عملية التحديث البريطانية بالأهم من جوانبها وهو : تجاوز تحديث البني التحتية إلى تغيير/ حَدْثَنَةِ العقلية ، لكونها قاطرة استدامة التغيير والديموقراطية، بالتعليم العصري المحفِّز علي تنمية التفكير المستقل والخلَّاق. غير أن هذه القوي، وقد توقفت عند إنجاز الاستقلال السياسي مستعينة بالأطراف ذات الثقل الطائفي، ساهمت في تعقيد مشكلة التصاعد نحو المرحلة الأعلي بدلاً من تفكيكها لأنَّ تجلياتها السياسية الحزبية قُدِّرَ لها أن تكون عاملاً إضافياً بهذا الخصوص ، فهي قوي تغيير، بمعني استنادها إلى شرائح متعلمة ومدينية ( من مدينة ) ومختلفه بذلك عن القوي التقليديه ويفترض أنَّها البديل المستقبلي لها، ولكن في طريق مسدود : اليسار بالتأويل اللينيني للماركسية الذي يعُدُّ الديموقراطية مجرد مرحلة نحو الاشتراكية، واليمين بمفهومٍ إسلامي لايعيرها أيَّ اهتمام أصلاً في فكره ومواقفه، والوسط بينهما مُتَراوِحٌ بين شد وجذب حسب قوة أحد القطبين في فترات صعوده.. ومن باب أولي لم تكن الأحزاب الموصوفة بالتقليدية، علي تفاوتِ انطباق هذه الصفة عليها بين حِزْبَي الأمة والاتحادي، مؤهلة لاستهداف الديموقراطيه."

اِستطال عمر نظام الإنقاذ ثلاثة عقود إذ ظل قادراً علي الإمساك بالسلطة حتي بعد أن استنفد قدرته علي التعبئة "التضليلية" بالدين والإيهام بالأخطار الخارجية والداخلية، وقوته الذاتية بعد انقطاع صلته بالحركة الإسلامية، الموتور الذي هيأ الأجواء والأدوات التنظيمية العسكرية-المدنية للانقلاب.في هذا دليل قويٌ علي أنَّ الجهد المعارض بمَجْمُوْعِهِ ،أيْ المنظم وغير المنظم السلمي والعسكري، وقد سَمَا في بعض اللحظات إلى مستوي من التضحية منعدم النظير، بَقِيَ فاقداً للفعالةِ نتيجةَ عدم صياغة استراتيجية المعارضة بما يجمع بين مواجهة الأنظمة الدكتاتورية وتنمية قوي التغيير الديموقراطي. هذا الانفصام أبقي الجهد المعارض شعبوياً في أساليبه ومحتواه وحصيلته، وذلك لعجزه عن اجتذابِ مجموعاتٍ نخبويه قادرة علي استيعاب جذر المعضلة، وتنميتها، ومن ثَمَّ تولي مهمة ترقية الرفض الشعبي لسياسات النظام من مستوي ردود الفعل والانفجارت المؤقتة،بما يُقصِّر من عمره ويُؤَمِّن التقدم نحو تأسيس قوي الأركان للديموقراطية. من هنا تَأخُّرُ سقوطِ نظام الإنقاذ، (والقوسان للقول بأنه عندما حَدثَ)، بَقِيَ محدوداً بمعنيين : بقاء مُكَوِّنِهِ العسكري حياً وجزءاً من تركيبة المرحلة الانتقاليه ،وإبطاء عملية الانتقال إلى بناء النظام الجديد بوجهها الآخر في إنعاش تماسك قوي الانتفاضة المضادة وتَصْلِيْبِها .

إذا صح هذاالتحليل القائم علي تحسس جذر المعضله وانعكاساتها السلبية علي الأداء المعارض،فأن الانتفاضة الثالثة مهددةٌ بمصير سابقاتها إذا لم تتخذِ الاحتياطاتِ اللازمةَ لتفاديها لاسيما وأنَّ الأمر لايقتصر علي عدم تشخيص جِذْرِ المعضلةِ ، وإنَّما على سيادةِ تشخيصٍ مُمْعنٍ في الخطأ بدلاً عنه يفرِّط في إدانة للقيادات،ليس أدل علي ضخامة حجمه من أنه يصدر عن مثقفٍ قيادي "بكل المقاييس" مثل د.منصور خالد. فكتابُهُ " النخبة السودانية وإدمان الفشل " لايكتفي بعدم تقديم تفسير موضوعي للفشل وإنما يذهب " في تقصير إضافي " إلى تعميمٍ يضع جميع أطراف السياسة السودانية وقياداتها في مستوي واحدٍ من التقصير، مُمْعناً في الاتجاه نَفْسِهِ باستثناء الحركة الشعبية لتحرير السودان من هذا الحكم. في هذا الاستثناء ، حتي إذا تغاضينا عن ثبوت خطأ مسوغاته إذ تشرذمت الحركة بمجرد غياب زعيمها، ماينمُّ عن ترويج غير مباشر لأُطروحة حكم الحزب الواحد اللاديموقراطيه التي تصب في خانة تعقيد إضعاف الوعي الديموقراطي أكثر مما هو عليه. علماً بأن دكتور منصور خالد يعود في مذكراته الضافية" شذرات من، وهوامش علي، سيرة ذاتية" ( 1800 صفحه من المعلومات الغزيرة والثقافة الأغزر والتحليلات الصائبة عموماً) إلى تكرار التقييمات. فأنه ليس غريباً أن يصبح كتاب " النخبة السودانية وإدمان الفشل " بمثابة المرجع لأقوي تيار في الحياة السياسية والفكرية السودانيه، الذي يدمغ الأحزاب السياسية كلَّها بالفشل ،مُحَمِّلاً المسئولية الكاملة لقياداتها بحيث تَشكل الرأي العام ، الشاباباتي خاصة، علي مثالها .." حزب مثل "المؤتمر السوداني " الذي شكَّل ظهورُه الخارج عن الطواقم الحزبية المعروفة حمايةً له من هذا الحكم العدمي، يفقد هذه الحماية تدريجياً.

هل تُفلح الإيجابيات الملموسة في انتفاضة ديسمبر 2019م ( تجمع المهنيين ودور القطاع الشاباباتي) في إنقاذها من مصير سابقتيها بتجاوز العقبات المترتبة علي قصورات استراتيجية المعارضة للدكتاتوريات، المتفاقمة بخطل تفسير إخفاقات قياداتها السياسيه؟ هناك مايشير إلى أنَّ دورَ تَجَمُّعِ المهنيينَ أكثرُ فعاليةً في تحسين فرص تطور الانتفاضة مُقَارنةً بالتجمعات المماثلة في أكتوبر 64 وأبريل 85 : في الأُولي، النقابات العمالية والمهنية ( جبهة الهيئات )، كانتْ نتاج ريادية لاتنكر لليسار السوداني بقيادة الحزب الشيوعي تطلبت جهداً سخياً وتضحيات جمةً،علي أن ذلك خلع عليها قدراً من الحَزْبَنَةِ يمكن فهمها في سياق تلك المرحله ولكنها حدَّت من استقلاليتها وتالياً فعاليتها في تطوير الانتفاضه. أمَّا في الثانية فَقَدْ تحقق شرط الاستقلالية واللاحزبنه لدي مجموعة المهنيين ( النقابات العمالية بقيتْ بعيدةً بعض الشئ ) التي تولت التحضير لتفجير الانتفاضة في مرحلتها الأخيره ولكن محدودية وزنها حدَّتْ من دورها في المرحلة اللاحقة .

في نموذج انتفاضة ديسمبر،استقلاليةُ تجمُّع المهنيين ، بمعني عدم الحزبنه وليس عدم الاشتغال بالشأن العام من موقع مستقل عن الأحزاب، واضحةٌ وكذلك تجاوز قيادية دوره للانتفاضة لنظائره في النموذجين السابقين كمّاً ونوعاً. لاتتوفر معلومات دقيقة عن وزن العناصر المنتمية حزبياً في تجمع المهنيين، ولكنَّ المؤكدَ أنَّ للعناصر غير المنتمية حزبياً، أو ذات الولاء الحزبي الأضعف من ولائها للتجمع، وزناً كبيراً. بسبب الفراغ الفعلي الذي تركه ضعف العمل السياسي الحزبي وغير الحزبي، وذلك المتوهم نتيجة سيادة الادراك الخاطئ لمدي مسئولية قياداته، بروز قيادية التجمع المهني أمر إيجابي لأنه سدَّ هذا الفراغ مما حرَّك قطاعات نخبوية وشعبية بدرجة من القوة والاستمرارية والتنظيم ،أطلقت الدفعة الأقوي والحاسمة في دَحْرِ (إسقاط) النظام واجتذبت عناصر عسكرية للانحياز للانتفاضه وأخري في قيادة الجيش للتخلي عن مساندتها لرَئِيْسِهِ. كَوْنُ فعالية دور تجمع المهنيين عائدة لسبب سلبي،( بمعني أنه ناجم لدرجة أو أخري عن عدم ثقة الجمهور العام في الأحزاب وليس نتيجة قدراته الذاتية فقط)، فذلكَ يقلل من هذه الإيجابية لأن الثقة يمكن أن تتبدد بمثلما حدث للأحزاب نظراً لأن المعيار المستخدم لمنحها أو حجبها غير سليم، بينما ضخامة التحديات القادمة ستُعَرِّض التجمُّع لامتحانات أقسي كثيراً من السابق. علي أنَّ الإيجابيات النسبية الأكبر لتَجمُّع المهنيين "بالمقارنة لنظائره السابقة" ،تجعله صالحاً كنقطة اِنطلاق لدور رئيسي في حماية الانتفاضة من الانتكاس، ولكنْ بناءً علي تقديرٍ موضوعيٍّ لطبيعة عموده الفقري "الشاباباتي" وإمكانية تطبيق برنامج تأهيلٍ معين ،كما سيوضح لاحقاً.

يبدو لهذه المساهمة أنَّ خليط التَّوق العارم للتخلص من الإنقاذ، إضافة إلى الصمود المُثَابر في وجه القمع الدموي، والابداعات في دقة التنظيم ،وأَشكال التعبير الفنية المُعَبَّرِ عنها، بقمتها في ساحة الاعتصام أمام قيادة الجيش السُّوداني بالخُرطوم، ألقتْ علي عاتق القطاع الشاباباتي مسئوليات تتجاوز قدراته الحقيقية و توقعاته إذا نظرنا إليها علي ضوء عدد من الاعتبارات . أَولاً: هناك الدور الكبير الذي لعبه الإنترنت ومواقع التواصل الاجتماعي في هذا المجال. علي أن الإنترنت وسيلة محايدة في حد ذاتها يتوقف تأثيرها سلباً أو إيجاباً إزاء قضية معينة، علي مَنْ يستخدمها. وبسبب تعقيدات الطور البنائي القادم للانتفاضة والفجوة الكبيرة بين توقعات القطاع الشاباباتي بالذات فيما يتعلق بتحسين أحواله، ومحدودية إمكانية الاستجابة الناجزة لها، بما في ذلك التوقعات الأخري مُجسَّدةً في شعار " الدَّمْ قُصَادَ الدَّمْ مَابِنَقْبَل الدِّيَّه"، يمكن لدور الإنترنت أن ينقلبَ إلى النقيض، أو يَخْفُتَ كثيراً إذا انفلتَتْ بعض أجزاء القطاع في اتجاهٍ بعيدٍ عن تجمع المهنيين أو حتي نقيضٍ له بسبب الصدمه. الأهمُّ من ذلك أَن عدم صحة الانطباع الشائع الآن عن انصرافية اهتمامات القطاع الشاباباتي نتيجةً لدوره في الانتفاضة ينبغي رؤيته في إطار الصورة الأكبر وهي أنَّ هذا القطاعَ خاصَّةً "بالذات" كان الأكثر تعرُّضاً لعملية تشويه الوعي والشخصيه نتيجةَ انحطاط نوعية التعليم ،والتقويض الكامل لآماله العريضة استثناءً في هذه المرحلة العمرية، تحت الضغط الباهظ لسياسات النظام الاقتصاديه الإفقارية. فَفي غمرة الاحتفاء المستحق بدور القطاع الشاباباتي،غاب عن الأذهان أَنَّ هذا القطاع "في مجموعه" ظَلَّ، تحت ضغط اليأس والإحباط الاستثنائي، مصدراً للظاهرة الهروبية الواسعة من الضغوطات الثَّقِيْلَةِ (الجِبَالِيَّةِ) الواقعة عليه أكثر من غيره، بالغرق في المخدرات والسلوكيات المُنْحرفةِ (الهايفة)، وإلى نقيضها،تِلْكُم السَّلفية الدينية التي لايمكن تَصوُّر أنَّ عمقَ تأثيرِها "الذي دفع آلاف الشباب إلى محرقة الموت الاختياري في حرب الإنقاذ الأهليه"، قد انتهي. نُذَكِّرُ هُنا (وبالمناسبة) أنَّ التصوُّر الشائع بأنَّ أخطر مخلَّفات النظام السابق (الإنقاذ) هو الدَّولة العميقةُ، يُعاني من قصور مفادُهُ أَنَّ التمكين الحقيقي هو ماتمَّ في العقول والأفهام بفعلِ موجة التَّديُّن التقليدي الكاسحة من خلال النظام التعليمي والماكينة الإعلامية القوية . إِنَّ الظاهرة المَعْرِفيَّةَ "استقالة العقل" التي تفسر تخلُّف العرب والمسلمين منذ قرونٍ، تعودُ إلى هيمنة هذا النوع من ا التَّديُّنِ، فَمَا بالك ببلادنا التي لم تعرف من ازدهارات الحضارة العربية- الإِسلامية سِوَى قشورِها !؟.

هل يمكن، علي ضوء هذين الاعتبارين، الاستنتاجُ بأن الشريحة الصَّبِيَّةَ الفَتِيَّةَ (الشَّابَابَاتِيَّة) التي برزت في الانتفاضة، لاتمثل الثقلَ الأكبر من الشباب إذا استعدنا للأذهان أنَّ الوزن العدديَّ للسودانيين "تحتَ سن الثلاثين عاماً" يتجاوز نصف مجموع السكان علي الأقل، أي أكثر من 20 مليوناً.؟ هذا من ناحيه الكم، أمَّا مِنْ ناحية النوع، فَليس هناك تطابق ضروري بين ريادية الدور الشاباباتي بمختلف جوانبه المشار إليها، وصلاحية " تجمع المهنيين " لتعويض فشل العمل السياسي المباشر في تحقيق هدف الديموقراطية المستدامة. حيث إِنَّ الحلقات الشاباباتية في المستويات القيادية الأعلي والوسيطة لـــــــــــــــ"تجمع المهنيين"، دوافعها لتفجير الانتفاضة أعمق من دوافع المجموعات القاعدية للتجمع ،بمعني أنها غير منحصرة في الجانب المتعلق بتأثير سياسات النظام علي حياتها، ذاهبةً إلى الاجتماعي منها "خاصةً قانون النظام العام"،ما يفسر بروز دور المرأةِ . فَمِنْ بين منتسبي هذه الحلقات الشَّابَابَاتِيَّة نسبة عالية من منتجي الفنون والآداب ومستهلكيها، كما يُستشفُّ أيضاً من الميسم الأدبي الواضح في بيانات التجمع شعراً ونثراً، الثقافةُ الفنية والأدبية التي كانت متاحةً أكثرَ من غيرها إبَّانَ حقبة الإِنقاذ لأنها لم تَكُنْ تصادم النظام مباشرة مثل الثقافة السياسية، واستقطبت قطاعاً من الشباب والشابات. فكانت تجمعاتُ ساحة " مَفْرُوْش" الدليلَ المادي لمدي اتساعه،حيثُ شكَّلَ البيئة المولدة لمقاومة النظام "عقلياً"، ومن ثَمَّ سياسياً بمحتوي استناري ديموقراطي، لاسيما وأن الذين يشغلونها هم علي الأغلب الناشطون في ميادين المجتمع المدني مثل" حركة تعليم بلا حدود " ، "وشارع الحوادث" وغيرها، أو الأقرب مزاجياً إليهم ومن تستهويهم موسيقي فرقة عقد الجلاد ، و غناء (تَمَرُّدَات) الفنان الراحل محمود عبد العزيز. هذه الثقافة شكلت حصانة ضد القولبة الدينية والممارسات الهروبية لهذه الشريحة من القطاع الشاباباتي ، ولكنَّ المجموع الأكبر في الحراك ينتمي إلى الأغلبية الساحقة من الشباب والشابات، الضحايا الأكبر من غيرهم لعقودٍ من الشمولية ..هؤلاء يعانون أثرها القاسي علي حياتهم اليومية بمختلف جوانبها ولكن لا وسيلة لديهم لإدراك مصدرها الجوهري المتمثِّل في التدمير الفكري والذهني، قبل المادي واليومي، بسبب انحطاط نوعية التعليم أساساً، رغم انخراطهم الكلي في الحراك الانتفاضي بقيادة الحلقات القيادية في" تجمع المهنييين "،ناهيك عن بقية القطاع الأكبر حجماً التي ظلت بعيدة عن الانتفاضة جزئياً أو كُلياً من هنا دوافع هذه المجموعات للانتفاض محدودة بالمباشر والمحسوس من الأثر التدميري لسياسات النظام ، بدون تأهيلٍ يجعل منهم عمادَ المرحلة الثانية والأهم للانتفاضةبتأسيس نظام ديموقراطي مستدام، بينما يمكن الاعتماد علي منتسبي الحلقات القياديه، خاصةً العاملين في لجان المقاومه، كرافعة رئيسة لتأهيل القطاع الشاباباتي بمجمله إلى مستواها عبر إصلاح النظام التعليمي وتنشيط المجتمع المدني. بغير ذلك ستتقلص إيجابيات "تجمع المهنيين" تدريجياً ذاهبةً مع الريح.

تستحيل المبالغة في أهمية إعادة هيكلة النظام التعليمي جذوراً وفروعاً، لاستحالة المبالغة في أهمية الوصول بالحراك الانتفاضي إلى قمته..كل التضحيات وجهود التخطيط والتنظيم التي بذلت لإطلاق الحراك الانتفاضي وإدامتِه ، معرضة للضياع إذا لم تتواصل عملية التغيير نحو إنجاز الهدف الذي فشلنا في تحقيقه بعد انتفاضتى عام 1964 وعام 1985م ، في وقت ثبت فيه نهائياً أنَّ الديموقراطية( التي لابد أن نضيف لها كلمة مستدامه عندنا لتمييزها عن مجرد سقوط النظام ) هي السبيل الوحيد لتحقيق النهضة الشاملة بدءاً من سد الطريق نهائياً أمام عودة الدكتاتوريات.

كما ورد سابقاً، في ظروف تاريخية مختلفة تماماً عن تاريخنا زماناً ومكاناً، أسست أوروبا الغربية النظام الديموقراطي عبر مخاض عصر التنوير بتحرير الإسان من وطأة الموروثات الثقافية والاجتماعية الناجمة عن ارتباطاته الأوليَّة في بيئة الميلاد. بذلك أضحي الفرد "بحريته في الاختيار"، الركيزة الأقوي للنظام الديموقراطي و صَارَ مؤهلاً لمقاومة ثقافة المستبد العادل والحلول السريعة، تلكم الثغرة التي تنفذ منها الانقلابات سواء أكانت مغامرات عسكرية أم مدفوعة بأيديولوجيات شمولية .
هناك أقطار ناميةٌ (عالمثالثيةٌ) تتقاسم مع السودان حالةَ كونِها لم تخضْ عصرَ تنوير، ولكنها تمكنت من تأسيس أنظمة ديموقراطية "مستدامة" لِتَوَفُّرِ شروطٍ، هِيَ معدومةٌ لدينا.و أهمُّ هذه الشروط "باختلاف درجة انطباقها من تجربةٍ لأُخري" أنَّ تاريخها الحديث اتسم بالتَّفاعل مع النموذج الغربي. كنماذج دولٍ آسيوية مثل إندونيسيا وكوريا الجنوبية،و دول إفريقية كَتُونس وسيراليون وليبيريا وساحل العاج، فضلاً عن دول أمريكا اللاتينية عموماً،والتي تشير إلى التأثير الإيجابي بهذا الصدد للتحالف بين الأنظمة الدكتاتورية فيها مع الغرب، إلى جانب جسرِ وحدة الدِّيانة المسيحية وثقافتها في بعض هذه الدول . هذه العلاقة "رغم سلبياتها المعروفة خاصةً المتعلقة بانتهاك حقوق الإنسان"، أبقت بعض مسارب تطوير عقلية الأفرادِ مَفْتُوْحَةً عبر الانفتاح النسبي للنظام التعليمي بالمقارنة مع أنظمة الدكتاتوريات المنغلقة تماماً تجاه الغرب،مثل إمكانية تعلُّم اللغة الإنجليزيه أو الفرنسيةِ، أو معرفة تكنولوجيا الاتصالات، أو عبر نوافذ أخري مثل توفر فرصٍ أكبر للاحتكاك بالتجربة الثقافية والسياسية الغربية مباشرة أو غير مباشرة، والظروف الأفضل لنمو طبقة وسطي. من هنا أتيح لحركات المعارضة عند تحقيق انتصارها بزوال هذا النوع من الأنظمة، قدرٌ معين من الشروط اللازمة للمضي في تأسيس الديموقراطية المستدامة والمفقودة كليّاً لدى الدكتاتوريات الأُخري خاصةً ذات المشروعية الدينية . في واقعنا المختلف "جِذْرِياً" عن الواقع الأوروبي، وانعدمت فيه "إلى ذلك" الظروف المساعدة الخاصة ببعض أقطار العام الثالث، ليس من سبيل لتحقيق الدرجة المطلوبة من تحرر الفرد واستقلالية تفكيره، ومن ثَمَّ تأسيس الديموقراطية المستدامة، إلا عبر نظامٍ تعليمي يُعيد هيكلة عقلية التلاميذ والطلبة باتجاه الانفتاح، وتنمية مَلَكَةِ التفكير النقدي. بما أن الحياة العامة في بلادنا تعرضت لعملية تجريف وتصحير طويلة المدي وعميقة الأَثر بِتَتَالي الشموليات، وخاصة الإنقاذية نظراً للفعالية الاستثنائية لتوظيف العقيدة الإسلامية في هذا المجال ، فأن الحياة الحزبية عندنا أضحت عاجزةً عن أداء مهمة تطوير الوعي العام، كما يتمظهر في تصدعها المتزايد أحزاباً وتكتلات معارضة بحيث تُعِيْنُ "تجمع المهنيين " على التصدي لدور قيادي في عملية التغيير . فَفَتْحُ مجالات حرية التعبير والتنظيم بعد التغيير، لن يؤدي إلى تَطَوُّرٍ إيجابيٍّ ملموسٍ في وضعية الأحزاب علي المدي القريب وذلكَ لأنَّ التَّجْرِيْفَ يعني أَنَّ المادة الخام اللازمة لحقن شرايينها بالحيوية غيرُ متوفره ،وهو ماينطبق حتي علي حزب واعدٍ حالياً مثل "المؤتمر السوداني" ، لذلك فإن الركيزة الثانية لتأسيس الديموقراطية المستدامة هي المجتمع المدني، بحكم الطبيعة التطوعية للانتماء إلى هيئاته علي اختلاف أغراضها، وأُسلوب عمله الآيل إلى تنمية الوعي الديموقراطيِّ من خلال الممارسة، بما تفرضه لوائحه من الاختيار الحر للقيادات ومحاسبتها وتداول مراكزها … إلخ . فالمجتمع المدني مدرسة لتدريب الفرد علي السلوك الديموقراطي ومن ثم تحصينه ضد ثقافة الاستبداد والتصرفات المنبثقة عنها، رغم كون هيئاته، )نقابيةً كانت أم غير نقابية) ،ليست سياسيةً- حزبيةً وإن كانت ذات تأثير سياسي إيجابي غير مباشر. وعليه، فإنَّ الاستفادة الحقيقية من دروس تجربتي أكتوبر 64 وأبريل 85 "وفق إدعاء هذه المساهمة" تستدعي اعتبار هذين المرتكزين الأولوية الحاكمة لاستراتيجية الفترة الانتقالية ومابعدها . وعلي المدي القصير والمتوسط، يعني ذلك "بالنسبة للمجتمع المدني" تعديل قانون العمل التطوعي لعام 2006م، بما يُمَكِّنُ هيئاته من حرية الحركة علي مختلف المستويات بما في ذلك استجلاب العون المالي والفني قانوناً، مع الحرص البالغ علي تطبيق نصوصه الخاصة بالتزام الهيئاتِ المعنيةِ كافةً بلوائح القانون ونُظُمِه، وأيضاً تشجيع قيام تلك التي يتصل نشاطها بحقل التعليم.

أمَّا بالنسبة لإصلاح النظام التعليمي، فإنَّ عضوية العلاقة بين إعادة هيكلته "جِذرياً"، واستدامة النظام الديموقراطي،تعني أنه لامَفَرَّ من إيلائه الأولوية القصوي من قِبَلِ السلطة الجديدة، تمويلاً وتخطيطاً وتنفيذاً، مما يتطلَّب الشروع في هذه العملية فورَ قيام السلطة الجديدة، لأنَّ أيَّ تأخيرٍ يزيد احتمالات انهيار التجربة الديموقراطيه مرةً أخري. علماً بأن هناك سبباً إضافياً لذلك وهو أن التأثير الإيجابي المنشود لإعادة الهيكلة يستغرق وقتاً طويلاً لأن تغيير عقلية التلاميذ والطلبه عملية تدريجية بالضرورة ،نظراً للتشويه العميق الذي لحق بها بفعل سياسات الإنقاذ. وفي خضم الأولويات العديدة والضاغطة بسبب حالة التداعي والانهيار الشامل الموروثة عن النظام السابق، يستدعي الأمر تنظيم حملة تثقيفية وإعلامية مدروسة وكثيفة لكسب الرأي العام إلى جانب الخصوصية الاستثنائية لهدف إصلاح النظام التعليمي بما يقتضي أولويته (أَوْلَلَتَهُ) علي بقية الأولويات مهما بلغ شأنها، وذلكَ لتحسين فرص فرضه وتقديمه كأولوية في برنامج الفترة الانتقالية وحكومات مابَعْدَ الانتخابات.

سبتمبر 2019



الكاتب: عبد العزيز حسين الصاوي

كاتب سوداني، دبلوماسي سابق إسمه الحقيقي ( محمد بشير احمد ).عدد من المؤلفات حول الحركة القومية ( مراجعات نقدية للحركة القوميه، من القومي الي الديموقراطي: تجربة البعث، دارالطليعه، بيروت ) وجذور الازمة السودانيه(أزمة المصير السوداني، مركز الدراسات السودانية و ديموقراطية بلا إستناره: مركز عبد الكريم ميرغني، أمدرمان )